ابن عطية الأندلسي
406
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المفسرين ، في تفسير الدأب ، وذلك كله راجع إلى المعنى الذي ذكرناه . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 12 إلى 13 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ، « ستغلبون وتحشرون » بالتاء من فوق و « يرونهم » بالياء من تحت ، وحكى أبان عن عاصم « ترونهم » بالتاء من فوق مضمومة ، وقرأ نافع ثلاثتهن بالتاء من فوق ، وقرأ حمزة ثلاثتهن بالياء من تحت ، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء ، وقرأ ابن عباس ، وطلحة بن مصرف وأبو حيوة ، « يرونهم » بالياء المضمومة ، وقرأ أبو عبد الرحمن ، بالتاء من فوق مضمومة . واختلف من الذين أمر بالقول لهم من الكفار ، فقيل هم جميع معاصريه من الكفار ، أمر بأن يقول لهم هذا الذي فيه إعلام بغيب ووعيد ، قد صدق بحمد اللّه غلب الكفر وصار من مات عليه إلى جهنم ، ونحا إلى هذا أبو علي في - الحجة - وتظاهرت روايات بأن المراد يهود المدينة ، قال ابن عباس وغيره : لما أصاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قريشا يوم بدر ، وقدم المدينة ، جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا فقالوا يا محمد : لا يغرنك نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال ، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، فأنزل اللّه في قولهم هذه الآية ، وروي حديث آخر ذكره النقاش ، وهو أن النبي عليه السلام لما غلب قريشا ببدر قالت اليهود : هذا هو النبي المبعوث الذي في كتابنا وهو الذي لا تهزم له راية ، وكثرت فتنتهم بالأمر ، فقال لهم رؤساؤهم وشياطينهم : لا تعجلوا وأمهلوا حتى نرى أمره في وقعة أخرى ، فلما وقعت أحد كفر جميعهم وبقوا على أولهم ، وقالوا : ليس محمد بالنبي المنصور فنزلت الآية في ذلك ، أي قل لهؤلاء اليهود سيغلبون يعني قريشا ، وهذا التأويل إنما يستقيم على قراءة « سيغلبون ويحشرون » بالياء من تحت ، ومن قرأ بالتاء فمعنى الآية : قل للكفار جميعا هذه الألفاظ ، ومن قرأ بالياء من تحت ، فالمعنى قل لهم كلاما هذا معناه ، ويحتمل قراءة التاء التأويل الذي ذكرناه آنفا ، أي قل لليهود ستغلب قريش ، ورجح أبو علي قراءة التاء على المواجهة ، وأن الذين كفروا يعم الفريقين ، المشركين واليهود ، وكل قد غلب بالسيف والجزية والذلة ، والحشر : الجمع والإحضار ، وقوله : وَبِئْسَ الْمِهادُ يعني جهنم ، هذا ظاهر الآية ، وقال مجاهد : المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم ، فكأن المعنى ، وبئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم . وقوله تعالى : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الآية تحتمل أن يخاطب بها المؤمنون وأن يخاطب بها جميع الكفار وأن يخاطب بها يهود المدينة ، وبكل احتمال منها قد قال قوم ، فمن رأى أن الخطاب بها للمؤمنين فمعنى الآية تثبيت النفوس وتشجيعها ، لأنه لما قال للكفار ما أمر به أمكن أن يستبعد ذلك المنافقون وبعض ضعفة المؤمنين ، كما قال قائل يوم الخندق : يعدنا محمد أموال كسرى وقيصر ، ونحن لا